إيران بين دبلوماسية نيويورك وتصعيد هرمز: تقدير موقف أسبوعي
الخلاصة
الخلاصة أن إيران والولايات المتحدة أعادتا فتح قناة تفاوضية في نيويورك، لكنها قناة هشة تتقاطع مع تصعيد حول مضيق هرمز وعقوبات أميركية مشددة وخطاب إسرائيلي تصعيدياً. أهم ما ينبغي معرفته هو أن أي اختراق في هذه المحادثات سيكون مرحلياً ومحدوداً على الأرجح، وأن انهيارها قد يحول هرمز وساحات إقليمية مثل لبنان إلى مسرح مواجهة أوسع، مع انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
الوضع الراهن
خلال الأسبوع الماضي، تركزت التطورات الإيرانية على مسارين متوازيين. الأول دبلوماسي في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث عُقدت أول محادثات أميركية-إيرانية منذ يونيو واستمرت ثلاث ساعات وفق ترامب، الذي قال إن المحادثات «تكتسب زخماً». وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان انفتاح إيران على المحادثات مع واشنطن، وأن على دول المنطقة تسوية نزاعاتها بنفسها، وأكدت إيران أنها أوضحت شروطها لإحياء الدبلوماسية. والثاني تصعيدي يتمحور حول مضيق هرمز، إذ هددت إيران بحرب شاملة مع أمريكا وبإغلاق المضيق، وطالبت بمهلة خمسة أيام، وعُرض فتح المضيق سبعة أيام مقابل رفع الحصار، مع تقارير عن مقترح إيراني لفتحه ومسار مرحلي. وفي المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الخيار العسكري مطروح، بينما فُرضت عقوبات أميركية تزامن معها إغلاق خط الإمارات وتوقف 80% إلى 90% من الرحلات الخارجية من إيران، مع تحذير طهران دول الجوار من الامتثال للقيود على شركات الطيران. وترافق ذلك مع تصعيد إسرائيلي في الخطاب، حيث قال نتنياهو إن نظام الملالي سيسقط وإن الأمر مسألة وقت، وعرض ستارلينك، في حين قال سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة إن مهمة إسرائيل بشأن إيران لم تنتهِ، ونقل عن مصدر إسرائيلي أن الضغط الاقتصادي والخلافات الداخلية قد تدفع طهران لضرب إسرائيل. كما تفاعلت أسواق النفط مع تعثر المحادثات، فصعد الخام نحو أربعة دولارات قبل أن يبدد مكاسبها مع بقاء هرمز محوراً.
التحليل
يمكن تحليل الأحداث كتفاعل بين مسار تفاوضي هش ومسار ضغط وتصعيد. فالمحادثات في نيويورك، وهي الأولى منذ يونيو، تشير إلى حاجة الطرفين للتواصل، لكنها لم تُنتج تفاهماً معلناً، إذ قدمت إيران شروطها دون كشفها، ورفضت وفق ترامب تعاوناً اقتصادياً كاملاً مقابل إنهاء برنامجها النووي. في المقابل، تستخدم واشنطن مزيجاً من الخيار العسكري المعلن والعقوبات، خاصة في ملف الطيران، ما يضيق هامش طهران الاقتصادي واللوجستي. أما إيران، فتستعمل مضيق هرمز كورقة ضغط مركزية، عبر التلويح بإغلاقه أو مساومة فتحه مقابل رفع الحصار، وهو ما يمنحها نفوذاً فورياً على أسواق الطاقة والملاحة. وثمة ارتباط بين الملف الإيراني وملفات إقليمية، إذ حضر لبنان والجولان في نيويورك وسط انزعاج إسرائيلي، ما يعني أن أي تفاهم أميركي-إيراني قد يمس ترتيبات إقليمية تتعلق بحزب الله والوكلاء. وتصريحات نتنياهو وسفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، إضافة إلى الحديث عن دور إيراني مع الحوثيين وحزب الله وحماس، تعكس محاولة إسرائيلية للتأثير على مسار التفاوض وتشكيكه. كذلك، استخدم الرئيس الإيراني خطابه في الأمم المتحدة للقول إن القنبلة الذرية في إسرائيل والمفتشين في إيران، واصفاً استمرار العقوبات مع القتل الإسرائيلي بازدواجية المعايير. كما أن الحديث عن خلافات داخل النظام الإيراني وضغط اقتصادي قد يدفع طهران لضرب إسرائيل يضيف عامل خطر: فالتصعيد الخارجي قد يُستخدم لتوحيد الجبهة الداخلية أو لتحسين موقع تفاوضي. وبذلك تبدو المفاوضات أقرب إلى إدارة أزمة متعددة الملفات، النووي والحصار وهرمز والطيران والوكلاء، منها إلى مسار حل شامل.
التوقعات
بناءً على المعطيات، يرجح استمرار التواصل الدبلوماسي بين واشنطن وطهران في المدى القريب، لكنه سيبقى مصحوباً بخطاب تهديد وعقوبات، ما لم يُعلن عن تفاهم مرحلي. السيناريو الأول: تفاهم محدود أو مسار مرحلي حول هرمز مقابل تخفيف جزئي للحصار أو العقوبات، وهو ما قد يهدئ أسواق النفط مؤقتاً. السيناريو الثاني: استمرار الجمود مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً، فتتواصل قيود الطيران وتقلبات النفط، وتبقى هرمز نقطة اشتعال. السيناريو الثالث: تصعيد عسكري إذا انهارت المهلة أو نُفذ تهديد إغلاق هرمز أو وقع ضرب إيراني لإسرائيل، وقد يتوسع نطاق المواجهة إلى المحيط الهندي. وترجح المؤشرات الحالية، لا سيما التصريحات المتباينة بين «الزخم» التفاوضي والتهديد بالحرب الشاملة، أن الفترة القادمة ستشهد تأرجحاً بين التفاوض والتصعيد، مع بقاء الملف النووي ورفع الحصار العقبة الأساسية.