تقدير موقف إقليمي أسبوعي: بين دبلوماسية نيويورك وتصعيد الجبهات
الخلاصة
الاستنتاج الإقليمي الأهم هذا الأسبوع هو أن المنطقة تعمل على مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي مكثف في نيويورك ومحادثات أميركية-إيرانية، ومسار عسكري قائم على رفع التأهب والتصعيد على جبهات لبنان وسوريا والتهديدات الإيرانية. وهذا يعني أن أي تقدم دبلوماسي يبقى رهينة احتمالات التصعيد، وأن لبنان يقع في نقطة التقاء هذه المسارات، لأنه في الوقت الذي تحاول فيه حكومته منع تحويله إلى ساحة، تواصل إسرائيل عملياتها في الجنوب ويواصل حزب الله رفض مسار التفاوض مع تمسكه بالارتباط بطهران.
الوضع الراهن
شهد هذا الأسبوع تزامناً بين حراك دبلوماسي مكثف في نيويورك وتصعيد عسكري وأمني على جبهات عدة. في لبنان، استمر القصف الإسرائيلي العنيف على الجنوب، بما في ذلك قصف خيام وقصف فوسفوري على زوطر الشرقية، وغارات وفوسفور وسبع دبابات، وتفجير وقصف بلدات وإحراق منازل في الخيام. وأكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن لبنان لا يريد أن يكون ساحة للصراعات وتبادل الرسائل، ودعا الرئيس الإيراني إلى ترشيح سفير جديد، في حين شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن الدولة اللبنانية وحدها مخولة نزع سلاح حزب الله. وفي إيران، عُقدت أول محادثات أميركية-إيرانية منذ يونيو في نيويورك واستمرت ثلاث ساعات، وقال ترامب إنها تكتسب زخماً، بينما قال إن إيران رفضت تعاوناً اقتصادياً كاملاً مقابل إنهاء برنامجها النووي. وأعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان انفتاح إيران على المحادثات مع واشنطن، لكن طهران هددت بحرب شاملة مع أميركا وإغلاق مضيق هرمز وبتمديد الحرب إلى المحيط الهندي، مع تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الخيار العسكري مطروح. وفي إسرائيل، جرى تمديد الطوارئ الحربية حتى 6 تشرين الأول/أكتوبر مع رفع التأهب تحسباً لتصعيد مع إيران، وهاجم نتنياهو في الأمم المتحدة إيران وتركيا وحزب الله، وأشار إلى جولة جديدة ضد إيران كمسألة وقت، وسط حديث عن استعدادات إسرائيلية لحرب قد تكون بمشاركة أميركا أو من دونها. وفي سوريا، أكد الشرع أن الجولان أرض سورية وطالب إسرائيل بالانسحاب الكامل، في وقت تواصل إسرائيل إعادة رسم المشهد الأمني في جنوب سوريا وقصفت محيط بلدة الحميدية بالقنيطرة، وتتواصل مباحثات سورية-إسرائيلية خلف طاولة التفاوض. وعلى الجبهة الفلسطينية، أبرز تقرير هذا الأسبوع صورة لمدينة بيت حانون في غزة ووصفها بأنها مدمرة بالكامل.
التحليل
يربط هذا الأسبوع خيطان رئيسيان: خيط دبلوماسي يتمحور حول الجمعية العامة للأمم المتحدة والمحادثات الأميركية-الإيرانية، وخيط عسكري يتصاعد على جبهات لبنان وسوريا وإيران. فالمفاوضات الأميركية-الإيرانية في نيويورك، وانفتاح بزشكيان على الحوار، وتصريحات ترامب عن زخم المحادثات، تجري بالتوازي مع تهديدات إيرانية بإغلاق مضيق هرمز وبتوسيع الحرب إلى المحيط الهندي، ومع تأكيد روبيو أن الخيار العسكري مطروح. وهذا التناقض بين التفاوض والتهديد يعكس ديناميكية إقليمية مشتركة: كل مسار دبلوماسي محفوف باحتمال الانزلاق إلى مواجهة. وإسرائيل هي الطرف الذي يربط بين هذه المسارات؛ فهي تمدد الطوارئ الحربية وترفع التأهب، ويقول مسؤولون إسرائيليون إن جولة جديدة ضد إيران مسألة وقت، ويتحدث نتنياهو في الأمم المتحدة عن ضرب إيران وحزب الله، حتى إنه أشار إلى أجهزة البيجر في رسالة ضمنية إلى حزب الله. وفي لبنان، يظهر الترابط بوضوح: التصعيد الإسرائيلي في الجنوب يتزامن مع محاولة الحكومة اللبنانية تأكيد أن لبنان ليس ساحة للصراعات، ومع أولويات أعلنها سلام تشمل الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز الجيش وحصر السلاح. لكن حزب الله يهاجم المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية ويشكر إيران، ما يكشف استمرار ارتباطه بطهران ورفضه لمسار التفاوض. وموقف ماكرون بأن الدولة اللبنانية وحدها مخولة نزع سلاح حزب الله يضع الملف في قلب الضغط الدولي على بيروت، بينما يتقاطع ذلك مع دعوة سلام إلى ترشيح سفير إيراني جديد، في إشارة إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة مع طهران. وفي سوريا، يظهر مسار موازٍ: الشرع يطالب بالانسحاب الإسرائيلي من الجولان ويتحدث عن المفاوضات السورية-الإسرائيلية، بينما تعمل إسرائيل على إعادة رسم المشهد الأمني في جنوب سوريا وتقصف مواقع في القنيطرة. كما يربط الشرع بين الملف اللبناني والسوري عندما يتحدث عن صعوبة الإرث القديم ويطالب بالصراحة إزاء المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، في وقت يزور وفد سوري رفيع بيروت لبحث الاستثمار وإعادة الإعمار. أما فلسطين، فالتقرير الواحد عن بيت حانون المدمرة يعيد التذكير بأن الحرب في غزة ما زالت تترك آثاراً إنسانية وعسكرية عميقة، لكنه لا يقدم هذا الأسبوع تفاصيل واسعة عن تحركات ميدانية أو سياسية جديدة. وإجمالاً، فإن الفاعلين المشتركين هم واشنطن وطهران وتل أبيب وحزب الله والحكومة اللبنانية ودمشق وباريس وعمّان، والديناميكية الجامعة هي أن ملفات إيران النووية ومضيق هرمز ونزع سلاح حزب الله والتصعيد في جنوب لبنان وجنوب سوريا والجولان تُدار جميعها في وقت واحد، ما يجعل أي تطور في ملف يؤثر على الملفات الأخرى.
التوقعات
على المستوى الإقليمي، تبدو السيناريوهات التالية محتملة خلال الفترة المقبلة. أولاً، يمكن أن تستمر المحادثات الأميركية-الإيرانية وتُنتج تفاهمات مرحلية، لا سيما حول مضيق هرمز أو ملف نووي محدود، لكنها ستبقى هشة لأن طهران ترفض عرضاً اقتصادياً مقابل إنهاء برنامجها النووي، وتواصل التلويح بالحرب وإغلاق المضيق، ولأن واشنطن تبقي الخيار العسكري مطروحاً. ثانياً، يبقى احتمال التصعيد الإسرائيلي ضد إيران أو ضد لبنان قائماً، خصوصاً مع تمديد الطوارئ الحربية الإسرائيلية حتى 6 تشرين الأول/أكتوبر، ورفع التأهب، والحديث عن جولة جديدة مسألة وقت. وإذا حدث تصعيد في لبنان، فقد يجد لبنان نفسه، رغم تأكيد حكومته عدم رغبتها في أن يكون ساحة، أمام مواجهة جديدة تتقاطع فيها ضغوط نزع سلاح حزب الله مع ردود حزب الله. ثالثاً، قد تتواصل المباحثات السورية-الإسرائيلية لكن مع استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا، ما يبقي التوتر قائماً حول الجولان والقنيطرة، وسط قلق أردني من تحركات إسرائيل في سوريا. رابعاً، يبقى الملف اللبناني الداخلي المتعلق بحصر السلاح ونزع سلاح حزب الله مصدر توتر سياسي، خصوصاً مع رفض حزب الله للمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية. وخامساً، تظل غزة وجبهة فلسطين هادئة نسبياً في أخبار هذا الأسبوع، لكن تقرير بيت حانون المدمرة يشير إلى أن الأزمة الإنسانية والأمنية هناك لم تُحل، وقد تعود إلى الواجهة.