إيران بين مسارين: مفاوضات غير مباشرة في نيويورك وتصعيد ميداني واقتصادي في مضيق هرمز
الخلاصة
أهم ما يجب معرفته أن إيران والولايات المتحدة تديران في الوقت نفسه مساراً تفاوضياً غير مباشر ومساراً من التصعيد المضبوط، وأن العقبة الجوهرية ليست غياب قناة التواصل بل ترتيب التنازلات: واشنطن ترفض أي خطوة إيرانية أولى غير كافية وتعتبر الضغط الاقتصادي أكثر فاعلية، وطهران ترفض تقديم تنازلات قبل رفع العقوبات وتستخدم السيطرة على هرمز كورقة تفاوض ورواية انتصار داخلي. هذا الجمود البنيوي يجعل الفترة المقبلة عرضة لاستمرار التوتر وإدامة الحصار الاقتصادي، مع خطر رئيسي يتمثل في حادث أمني في هرمز أو خارجه قد يخرج التصعيد عن الضبط المقصود.
الوضع الراهن
تتواصل منذ أيام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك محادثات غير مباشرة بين واشنطن وطهران عبر وساطة قطر وباكستان، وصفها مسؤول أميركي بأنها «إيجابية وبناءة»، وأشار رئيس الوزراء القطري إلى حصول تقدم ووجود رغبة لدى الجانبين في التحرك نحو نتيجة إيجابية. وقدّم الجانب الإيراني مقترحاً جديداً عبر الوسطاء، وأكد الرئيس مسعود بزشكيان أن المرشد الأعلى يدعمه، مبدياً استعداد طهران لتخفيف تركيز اليورانيوم المخصب ونفي السعي لامتلاك سلاح نووي، ومشدداً في المقابل على فقدان الثقة بسبب تكرار العقوبات والهجمات. في المقابل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفضه المقترح الإيراني لفتح مضيق هرمز مقابل فك الحصار البحري، وقالت واشنطن إن المطالب الإيرانية المسبقة (رفع العقوبات والإفراج عن أصول مجمدة) كانت سبب الرفض، مع تأكيد البيت الأبيض أنه «ليس في عجلة من أمره». وعلى المسار الميداني، أعلنت القوة البحرية للحرس الثوري الاستيلاء على مركبة أميركية ذاتية التشغيل تحت الماء في مضيق هرمز واتهمتها بالتجسس، وهدّدت قيادات بحرية إيرانية باستهداف السفن والمدمرات الأميركية حتى في المحيط الهندي، فيما أعلن الجيش الإيراني استعداده لمواجهة هجوم أميركي محتمل. وفي بريطانيا، أُوقف خمسة مشتبهين في مخطط لاستهداف قاعدة فيرفورد التي تستخدمها قوات أميركية مع رفع مستوى التأهب، دون إعلان لندن عن صلة إيرانية. اقتصادياً، تتوسع حملة الضغط الأميركية على الطيران والمصارف والتجارة، مع استجابة عمان والإمارات وتركيا وأذربيجان وجورجيا بإجراءات تقيد «ماهان إير» و«بنك ملي» و«بنك ملت»، وطلب أميركي من لندن عدم تجديد ترخيص «بنك ملي».
التحليل
تعكس الأخبار إدارة إيرانية لمسارين متوازيين: تفاوضي غير مباشر يهدف إلى رفع العقوبات وتفادي ضربة عسكرية، وتصعيد ميداني مضبوط في مضيق هرمز يُستخدم كرافعة ضغط وتثبيت لرواية انتصار داخلي. فالتناقض الظاهري بين حديث الرئيس بزشكيان عن الاستعداد لتخفيف التخصيب واستعداد الجيش للتصدي لهجوم، ونفي مجلس الأمن القومي وجود توجه لرد عسكري على القيود الجوية، يشير إلى رغبة في إبقاء الخيار العسكري مطروحاً كأداة تفاوضية لا كخيار فوري، وإلى وجود نقاش داخلي حول حدود التصعيد. أما الجانب الأميركي، فيرفض تقديم تنازلات مسبقة ويعتبر الوقت في مصلحته، مستثمراً في الحصار الاقتصادي بدلاً من اتفاق بشروط إيرانية، وهو ما يفسر التوسع في استهداف الطيران والمصارف عبر دول الجوار، إذ يهدف إلى إجبار الشركاء الإقليميين على الاختيار بين التعامل مع طهران أو مواجهة العقوبات. وتتقاطع مع ذلك أبعاد أمنية واستخباراتية خارج إيران: حادثة قاعدة فيرفورد، وتقارير عن دعم استخباراتي صيني لطهران، وتحقيق في شبكة حسابات مرتبطة بإيران تنشط في النقاش الانتخابي الإسرائيلي، وكلها عناصر ترفع كلفة المفاوضات وتغذّي الشكوك المتبادلة. وفي الخلفية، ثمة تعدد وسطاء (قطر، باكستان) ومبادرات دولية (مشروع قرار فرنسي حول حرية الملاحة، مبادرة روسية للخليج) يعكس تحوّل ملف هرمز إلى قضية دولية وليس ثنائية فقط، وهو ما تستثمره طهران لتوسيع هامش مناورتها، بينما تؤكد دول الخليج والسعودية على مخاوفها الأمنية من السلوك الإيراني.
التوقعات
استناداً إلى المعطيات المتاحة، تبرز ثلاثة احتمالات خلال الفترة المقبلة. الأول: استمرار المحادثات غير المباشرة عبر قطر وباكستان وذهابها نحو تفاهمات جزئية أو تهدئة محدودة، مع بقاء العقد الأساسي (الرفع الكامل للعقوبات مقابل تنازلات نووية وترتيبات في هرمز) دون حل، خصوصاً في ظل إشارات أميركية إلى عدم الاستعجال. الثاني: استمرار «التصعيد المُدار» في مضيق هرمز عبر حوادث من نوع الاستيلاء على المركبات أو احتجاز السفن والتهديدات المتبادلة، مع موازنة إيرانية تتجنب رداً عسكرياً على القيود الجوية وتكتفي بخيارات غير عسكرية، وترافقها ضغوط اقتصادية متزايدة على الطيران والمصارف. الثالث: تصاعد نوعي إذا اختارت واشنطن، وفق ما تُنقل عن ميل ترامب، تنفيذ ضربات جوية بعد الانتخابات مع تشديد الحصار، وهو سيناريو يبقى مرهوناً بمسار التفاوض وبأي حادث أمني كبير، مثل حادثة قاعدة فيرفورد أو استهداف سفن، قد يقلص هامش ضبط التصعيد. كما يُرجّح استمرار الحركية الدبلوماسية الدولية حول حرية الملاحة في هرمز، بما يعقّد الموقف الإيراني قانونياً وسياسياً.