سوريا بين ضغوط داخلية وترتيبات أمنية خارجية: تقدير موقف
الخلاصة
الخلاصة: التحدي الأبرز أمام النظام السوري الجديد هو تحقيق توازن بين انفتاح خارجي يبشر بترتيبات أمنية واقتصادية، وضغوط داخلية متفاقمة تجلت في احتجاجات أسعار الوقود، في وقت تبقى فيه مسألة الجنوب السوري والتوغلات الإسرائيلية ونقاط الخلاف مع إسرائيل حول الجولان والانسحاب ونزع السلاح ملفاً حاكماً لمستقبل الاستقرار.
الوضع الراهن
تشهد سوريا خلال آخر 72 ساعة مشهداً مزدوجاً: ففي الداخل، اندلعت احتجاجات واسعة في الحسكة ودير الزور والرقة ثم حلب وإدلب والسويداء بعد رفع أسعار الوقود بنسبة تصل إلى 40%، ووصفها مسؤولون أمنيون إسرائيليون بأنها أكبر تحدٍ اجتماعي واقتصادي للنظام الجديد. وفي الخارج، قال الرئيس أحمد الشرع إن المفاوضات مع إسرائيل بلغت 90% ثم تراجعت إسرائيل، مؤكداً في الأمم المتحدة أن الجولان أرض سورية وأن إجراءات الضم باطلة، ومطالباً بالانسحاب إلى خطوط 8 ديسمبر 2024، وسط توغلات إسرائيلية متواصلة في جنوب سوريا. كما بدأت ألمانيا محادثات مع دمشق حول إعادة اللاجئين السوريين وفق ثلاث فئات، في حين أكدت الخارجية الأمريكية أن التوغلات لا توفر الأمن لإسرائيل وأن الحل بترتيبات أمنية.
التحليل
تعكس الأخبار ترابطاً بين المسارين الداخلي والخارجي. فالنظام الجديد، بقيادة أحمد الشرع، يسعى إلى ترجمة الانفتاح الدولي بعد رفع العقوبات وإلغاء قانون قيصر إلى مكاسب اقتصادية وتثبيت شرعية، لكنه يواجه اختباراً داخلياً مباشراً مع احتجاجات أسعار الوقود التي تمثل تراكماً من الإحباط بسبب انخفاض المدخول وتأخر المدفوعات وارتفاع تكاليف المعيشة. وفي الوقت نفسه، تظل الملفات الأمنية مع إسرائيل محورية: هناك تفاوض على تسوية أمنية وليس سلاماً، مع نقاط خلاف حول الجولان وجبل الشيخ والانسحاب ونزع السلاح وحرية العمل، بينما تطالب إسرائيل بجنوب سوريا منزوع السلاح وقدرة على منع دخول قوات معادية. وتضع التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة وريف درعا، وما رافقها من اعتقالات وهدم منازل وقيود على المزارعين، ضغطاً على السكان وتمسك دمشق بورقة السيادة. وتبدو السياسة الأمريكية أكثر ميلاً لترتيبات أمنية بديلة عن التوغلات، بينما تحاول ألمانيا معالجة ملف اللاجئين عبر تصنيفهم إلى فئات، ما يعكس ضغوطاً أوروبية متصاعدة. أما الجدل حول الحفل الفني لأصالة نصري في دمشق فيشير إلى تنازع داخلي حول الطابع الثقافي والديني للنظام الجديد، رغم براغماتيته الخارجية.
التوقعات
بناءً على المعطيات، يمكن تصور سيناريوهات محدودة: (1) استمرار التفاوض حول ترتيبات أمنية بين دمشق وإسرائيل برعاية أمريكية أو وساطة، مع احتمال تحقيق تفاهمات جزئية، لكن نقاط الجولان والانسحاب ونزع السلاح تبقى عوائق قد تمنع اتفاقاً شاملاً. (2) احتمال توسع الاحتجاجات الشعبية أو احتوائها إذا اتخذت الحكومة إجراءات لتخفيف الأثر المعيشي أو عالجت تأخر المدفوعات، مع بقاء السخط عاملاً ضاغطاً على الاستقرار. (3) استمرار التوغلات الإسرائيلية في الجنوب مع ضغوط أمريكية متزايدة للاعتماد على الترتيبات الأمنية بدلاً منها، ما قد يحد من توسعها لكن لا ينهيها فوراً. (4) المضي في محادثات إعادة اللاجئين مع ألمانيا ودول أوروبية وفق فئات، من دون اتفاق نهائي، مع تأثير محتمل على أوضاع السوريين في المهجر. (5) تصاعد الجدل الثقافي والديني داخل سوريا مع محاولة النظام الجمع بين البراغماتية الخارجية وقاعدة محافظة.