بين مسار انتخابي ناشئ وتصعيد ميداني متواصل: فلسطين في مفترق مسارات متوازية
الخلاصة
الخلاصة أن فلسطين تعيش اليوم حالة ازدواجية بين بناء سياسي انتخابي ناشئ يستند إلى دعم خارجي، وتصعيد ميداني إسرائيلي متواصل يستهدف القيادات الفلسطينية دون تحقيق حسم. الأهم أن أي مسار انتخابي أو ترتيب سياسي مقبل سيكون محكوماً بضعف الأرضية الإنسانية في غزة، وباستمرار الديناميكية الأمنية التي تُبقي حماس فاعلاً قادراً على التصعيد حتى لو اختارت تأجيله.
الوضع الراهن
تعكس الأخبار خلال آخر 72 ساعة مشهداً فلسطينياً منقسمًا بين مسارين: مسار سياسي يتمثل في خطوات لتشكيل ائتلاف فلسطيني واسع يضم مروان البرغوثي استعداداً لانتخابات مقررة في الضفة الغربية وقطاع غزة في 28 نوفمبر، بهدف إنشاء إطار يحظى بشرعية أمريكية وإقليمية؛ ومسار ميداني يشهد استمرار الاغتيالات الإسرائيلية لقادة ميدانيين في حماس، بينهم عز الدين البيك قائد لواء شمال قطاع غزة، وعماد حسان حسين إسليم نائب قائد لواء مدينة غزة وقائد كتيبة الزيتون، إلى جانب غارات متفرقة في جباليا ومدينة غزة وخانيونس. وفي الضفة الغربية، تصاعدت اعتداءات نسبت إلى مستوطنين متطرفين خلال عيد العرش، شملت إحراق ممتلكات وكتابة شعارات انتقامية، وسط إدانات أمريكية وبريطانية وسعودية، واقتحامات للمسجد الأقصى بقيادة وزيرين إسرائيليين. على الصعيد الإنساني، أظهرت صور أقمار صناعية تضرر 82% من مباني قطاع غزة.
التحليل
يبدو أن المشهد الفلسطيني يتشكل في ظل تداخل ثلاثة مستويات لا تعمل بالضرورة في الاتجاه نفسه. على المستوى السياسي، يشير الحديث عن ائتلاف واسع يضم البرغوثي، بدفع من محيط محمد دحلان، إلى محاولة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على قاعدة انتخابية تستند إلى شرعية خارجية أمريكية وإقليمية، وهو ما يوحي بأن ملف الانتخابات بات مرتبطاً بحسابات دولية أكثر من كونه نتاج ديناميكية داخلية خالصة. في المقابل، يستمر المستوى الأمني على وتيرة تصعيدية، إذ تستهدف إسرائيل القيادات الميدانية في غزة والضفة، بينما تشير تقديرات عبرية إلى أن نحو 60 قائداً من حماس استُهدفوا، ومع ذلك فإن تقديرات القوة المتبقية للحركة (25-30 ألف مقاتل) مع استمرار ترميم الأنفاق وتصنيع السلاح تجعل من الصعب الحديث عن تفكيكها. هذا التناقض يفسّر جزئياً رفع حماس مستوى التأهب، ويشير إلى أن الاغتيالات تُستخدم كأداة ضغط تفاوضي لا كوسيلة حسم. على المستوى الدبلوماسي، تتقاطع إدانات واشنطن ولندن والرياض للعنف الاستيطاني والاقتحامات مع خطوات عملية محدودة (حظر بريطانيا استيراد سلع المستوطنات، ومسار لإعادة توطين فلسطينيين في بريطانيا)، ما يعكس فجوة بين الخطاب والإجراء. أما المستوى الإنساني، فتؤكد أرقام الدمار الواسع أن أرضية أي ترتيب سياسي مقبل ستكون شديدة الهشاشة.
التوقعات
استناداً إلى المعطيات المتاحة، يتوقع أن يستمر المساران السياسي والأمني بالتوازي دون حسم واضح. فمن جهة، قد تتقدم خطوات تشكيل الائتلاف الانتخابي إذا استمر الدعم الأمريكي والإقليمي، لكن مصير الانتخابات يبقى مرتبطاً بعوامل غير فلسطينية وبتطورات الميدان. ومن جهة أخرى، يُرجَّح استمرار عمليات الاغتيال والغارات الإسرائيلية في غزة والضفة، مع إمكانية ردود محدودة من حماس انطلاقاً من تقديرات قدرتها على التصعيد وما تختاره من توقيت. كما يُحتمل أن يتواصل التصعيد الاستيطاني في الضفة خلال المناسبات الدينية، مقابل استمرار الإدانات الدولية وإجراءات رمزية محدودة. أما على الصعيد الإنساني، فمن المرجح أن تبقى أرقام الدمار والاحتياجات الإغاثية في تصاعد، ما يعقّد أي ترتيب سياسي مستقبلي.