إيران بين حصار اقتصادي متصاعد ووساطة متعثرة: هرمز والنووي في قلب المواجهة
الخلاصة
أهم ما يجب أن يعرفه القارئ أن إيران تواجه اليوم مزيجاً من حصار اقتصادي غير مسبوق وضغط عسكري أميركي في هرمز ووساطة إقليمية لم تحقق اختراقاً، مع تصعيد نووي غير مسبوق عبر التلويح بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار. ويبدو قرار الحرب أو السلام مؤجلاً حتى ما بعد الانتخابات الأميركية النصفية وفق التسريبات، فيما تختبر واشنطن الجدية الإيرانية عبر "الأفعال" لا "الأقوال". وبالتالي، فإن الفترة المقبلة ستكون حساسة، وأي تطور في هرمز أو في الملف النووي سيكون له أثر مباشر على أسعار النفط وعلى الاستقرار الإقليمي.
الوضع الراهن
تعيش إيران حالة حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة منذ شباط/فبراير، تتقاطع فيها المواجهة العسكرية في مضيق هرمز مع حصار بحري أميركي وتضييق اقتصادي متسارع. ففي حين يجدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب التأكيد على أن طهران "تنهار بشكل كبير" وأن النصر بات قريباً، ويشير إلى سيطرة شبه كاملة على هرمز وخسارة إيرانية تبلغ 4500 قتيل، يواصل الحرس الثوري الإعلان عن إمساكه بالمضيق واصطياد غواصات أميركية، مع تقارير عن إصابة 8 من مشاة البحرية الأميركية بصاروخ كروز إيراني في 14 أيلول. وبالتوازي، لم تثمر الوساطة القطرية أي اختراق، إذ تسلم وزير الخارجية عباس عراقجي الرد الأميركي على المقترح القطري دون كشف تفاصيله، في وقت تتحدث تقارير عن أن ترامب قد يأمر بعمليات قتالية واسعة بعد انتخابات التجديد النصفي. اقتصادياً، هوى الريال إلى ما يتجاوز 2.5 مليون مقابل الدولار، وتفرض واشنطن عقوبات جديدة على 10 أفراد وكيانات، وسط حديث عن اقتراب نفاد آخر الشحنات النفطية الإيرانية المتجهة إلى الصين. وعلى الصعيد الداخلي، تحشد طهران آلاف المتطوعين قرب هرمز، وتلوّح بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي، فيما تتحدث عن محاولات أميركية إسرائيلية لإثارة انقسامات داخلية.
التحليل
تعكس الأخبار صورة مواجهة متعددة المستويات تديرها طهران وواشنطن وفق منطق الضغط المتبادل. فعلى المستوى العسكري، يبدو مضيق هرمز ساحة رئيسية لمعركة سرديات ووقائع في آن: فالحرس الثوري يبني شرعية ردع عبر إعلانات السيطرة والاصطياد، بينما تنفي القيادة المركزية الأميركية ذلك وتؤكد إعادة توجيه 122 سفينة ضمن حصار "الجدار الفولاذي"، وهو ما يجعل المضيق ملفاً استراتيجياً متعدد الأبعاد اقتصادياً وعسكرياً. وقد أضاف الإعلان الإيراني عن تحديث قائمة السفن المحظورة (81 سفينة، معظمها خليجية) بعداً إقليمياً يوسّع دائرة المواجهة ليشمل دول الخليج، ويأتي متناغماً مع تحذير طهران من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى أبوظبي. على المستوى الدبلوماسي، تبدو الوساطة القطرية الطرف الأكثر نشاطاً، لكن تعثرها يعود إلى تمسك الطرفين بمطالبهما: رفع الحصار البحري مقابل تنازلات نووية، وهو ما دفع مسؤولين أميركيين إلى التسريب بأن العودة إلى الضربات الواسعة مطروحة على الطاولة بعد الانتخابات النصفية. أما الملف النووي، فقد صعدت طهران خطابها بالتلويح بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار، بينما يبدي الكرملين قلقاً ويطلب توضيحاً، ما يشير إلى أن موسكو تحاول الحفاظ على بقاء إيران داخل الإطار النووي الدولي. واقتصادياً، فإن مؤشرات الانهيار (الريال، العقوبات، قرب نفاد الصادرات) تدفع طهران نحو المخاطرة، إذ ترى أنها لا تستطيع القبول بوضع لا تستطيع فيه التجارة بينما يُستخدم المضيق من قوى أجنبية. داخلياً، يعمل القادة الإيرانيون على خطاب مواجهة الخارج والانقسامات، وسط مؤشرات على تصدّع داخل المعسكر المحافظ (سجن النائب رسائي)، ما يضاف إلى ضغوط الحرب.
التوقعات
استناداً إلى المعطيات، تبدو ثلاثة سيناريوهات مرجحة للفترة المقبلة. الأول: استمرار الجمود التفاوضي مع تصعيد عسكري محدود النطاق في هرمز، على أن يبقى الخيار الواسع مؤجلاً إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، كما تشير تسريبات المسؤولين الأميركيين. الثاني: تعثّر الوساطة القطرية وانتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر حدة، خصوصاً إذا ترجمت إيران تلويحها بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار أو توسيع نشاط الحوثيين في البحر الأحمر، أو إذا نفذت تهديداتها بضرب مصالح أميركية في المنطقة ضمن سياق الاتهامات المتبادلة حول مخطط قاعدة فيرفورد. الثالث: إحراز اختراق تفاوضي جزئي إذا قدمت طهران خطوات ملموسة بشأن النووي في الشهرين المقبلين، وهو ما يبدو أن واشنطن تضعه كاختبار عبر تصريحات فانس حول "الأفعال لا الأقوال". وفي كل الأحوال، يبقى الضغط الاقتصادي والانفجار الداخلي عاملاً قد يدفع طهران إما إلى تنازلات مؤلمة أو إلى مغامرة عسكرية لتصدير الأزمة.