تقدير موقف: سوريا بين ضغوط أمنية متعددة المسارات وإعادة تعريف التحالفات الخارجية
الخلاصة
أهم ما ينبغي معرفته أن سوريا تواجه اختبارًا مزدوجًا: تثبيت السيطرة الأمنية في الجنوب ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة صراع، وفي الوقت نفسه تأمين دعم خارجي لإعادة الإعمار ورفع العقوبات. نجاح ذلك مشروط بضبط الملف الأمني، وتحويل العلاقة مع إيران إلى علاقة سيادية تفاوضية، ومنع انهيار الخدمات الأساسية. أي تصعيد إسرائيلي أو فشل في ضبط الجماعات المسلحة قد يعطل مسار الاستقرار الداخلي والدولي.
الوضع الراهن
تعكس الأخبار خلال آخر 72 ساعة وضعًا سوريًا متعدد الجبهات: انفجار في خط غاز بمحطة تشرين بدمشق أدى إلى تعطل ثلاث محطات توليد كهرباء؛ إعلان السلطات توقيف ثلاثة أشخاص في حوض اليرموك بريف درعا بتهمة الارتباط بحزب الله والتحضير لمنصات صاروخية؛ قصف إسرائيلي بثلاث قذائف على محيط سد المنطرة في ريف القنيطرة وتوغلات إسرائيلية متكررة في المحافظة؛ تحليق طائرات حربية مجهولة في أجواء درعا؛ تفكيك خلية لداعش ممتدة من الرقة إلى حلب وإدلب وحمص وتوقيف متزعمين؛ توقيف سجّان سابق في المخابرات الجوية بدرعا وقائد لواء دفاع جوي سابق؛ زيارة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى دمشق وإعلان 51 مليون يورو لإزالة الألغام ودعم الحوار حول السويداء مع مطالب سورية برفع العقوبات؛ رسالة سورية إلى إيران تشترط إعادة بناء العلاقة باحترام السيادة ومراجعة السياسات السابقة؛ واحتجاج مالكي أراضٍ في ضاحية قدسيا على ملف الاستملاك.
التحليل
تتقاطع هذه الأحداث في ثلاثة مسارات. المسار الأمني الجنوبي هو الأكثر كثافة: العمليات في درعا والقنيطرة، والتوقيفات المرتبطة بحزب الله، والضربات الإسرائيلية، والطائرات المجهولة، تشير إلى أن الجنوب السوري ساحة تنازع نفوذ ورسائل متبادلة. إعلان دمشق إحباط مخطط صاروخي دون تحديد الأهداف، مع معلومات عن توجيهه نحو إسرائيل، يضع السلطات السورية أمام اختبار مزدوج: إظهار السيطرة ومنع استخدام أراضيها، وفي الوقت نفسه تفادي مواجهة مع إسرائيل. التوقيفات ضد رموز أمنية سابقة وسجّانين متهمين بانتهاكات، وتفكيك خلية داعش، تعكس محاولة لترسيخ احتكار الدولة للعنف وبناء شرعية داخلية. المسار الخارجي: زيارة كالاس تربط استقرار سوريا بأمن أوروبا وتقدم دعمًا لإزالة الألغام، لكنها تضع ملف العقوبات وإعادة الإعمار في سياق تفاوضي. الرسالة إلى إيران تعبر عن إعادة تعريف العلاقة الثنائية بعد سنوات الحرب، وتشترط السيادة ومراجعة السياسات، ما يشير إلى انتقال من التحالف القديم إلى علاقة تفاوضية. المسار الاقتصادي والخدمي: انفجار خط الغاز وتعطل محطات الكهرباء يظهر هشاشة البنية التحتية، فيما يعكس تحرك الاستملاك ضغوطًا اجتماعية واقتصادية. إجمالًا، تبدو الحكومة السورية ساعية إلى تثبيت سلطتها أمنيًا وسياسيًا، لكنها تتحرك في بيئة إقليمية وداخلية مضطربة تحد من هامش المناورة.
التوقعات
في ضوء المعطيات، يمكن تصور ثلاثة اتجاهات رئيسية. الأول: استمرار الضغوط الأمنية في الجنوب، مع احتمال تكرار الضربات الإسرائيلية والتوغلات إذا استمرت التقارير عن أنشطة مسلحة أو صاروخية، ما قد يرفع مخاطر التصعيد ويضعف محاولات التهدئة. الثاني: توسع التدخل الأوروبي الإنساني وإعادة الإعمار، لكن رفع العقوبات سيبقى مرتبطًا بشروط سياسية، ما يعني تحسنًا تدريجيًا لا انفتاحًا كاملًا. الثالث: بقاء العلاقة مع إيران في مرحلة إعادة التفاوض، مع احتمال توتر أو جمود إذا لم تتوافق طهران مع المطالب السورية. كما أن خلايا داعش والتجمعات المسلحة وتضرر البنية التحتية، بما في ذلك الكهرباء، ستبقى عوامل ضغط قابلة للتكرار.