لبنان بين التصعيد الإسرائيلي في الجنوب وضغوط التفاوض ونزع السلاح
الخلاصة
الخلاصة أن لبنان يقع بين ضغط عسكري إسرائيلي متصاعد في الجنوب ومسار تفاوضي أميركي يركز على نزع سلاح حزب الله وحصر القرار بيد الدولة، من دون مقابل ملموس حتى الآن، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار صعب: تحقيق انسحاب إسرائيلي واستعادة السيادة من دون أن تتفكك الجبهة الداخلية أو تنزلق البلاد إلى مواجهة أوسع. ويبقى العامل الحاسم في المرحلة المقبلة هو ما إذا كان مسار التفاوض قادراً على إنتاج تفاهمات مرحلية، أم أن استمرار غياب المقابل سيجعل التصعيد العسكري والأزمات الداخلية أكثر ترجيحاً.
الوضع الراهن
تظهر الأخبار خلال آخر 72 ساعة أن لبنان يعيش على وقع تصعيد عسكري إسرائيلي متواصل في الجنوب، شمل غارات وقصفاً مدفعياً وتفجيرات وتحركات لآليات إسرائيلية في بلدات عدة بينها المنصوري وكفرتبنيت والخيام وحولا والقنطرة وبرعشيت والنبطية الفوقا وحاريص ومجدل زون وبيت ليف وغيرها، مع تفجير مدرسة وحرق منازل في حولا، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف بنى تحتية لحزب الله رداً على إطلاق مسيّرة مفخخة باتجاه قواته. وبالتوازي، يتحرك المسار الدبلوماسي في واشنطن حيث بحث وزير الخارجية يوسف رجي مع مسؤول أميركي اتفاق الإطار والانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح بيد الدولة، وسط مذكرة من لجنة التنسيق اللبنانية-الأميركية تدعو إلى تفاوض برعاية أميركية وتسليم سلاح حزب الله وجمع السلاح الفلسطيني وإصلاحات. كما تتجه التحضيرات إلى جولة ثامنة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في تامبا قد تكون في 20 تشرين الأول وذات طابع عسكري، في وقت تتحدث تقارير عن ربط واشنطن أي انسحاب إسرائيلي ببدء نزع سلاح حزب الله، وعن تحذيرات أميركية-أوروبية بفرض عقوبات وسحب تأشيرات على معرقلي الإصلاحات المالية. ويقترب انتهاء ولاية اليونيفيل وسط تحذير أممي من فراغ أمني في حال الانسحاب دون ترتيبات بديلة. داخلياً، يتواصل إضراب 544 سجيناً لليوم الـ21 احتجاجاً على تجميد قانون العفو مع 55 حالة حرجة، وتُبذل مساعٍ لإخلاء سبيل موقوف متهم بتنفيذ مهام لوجستية لإسرائيل، ويُوقف الجيش شحنة 245 كيلوغراماً من الـTNT عند الحدود، وينفذ عمليات أمنية تسفر عن توقيفات وضبط أسلحة ومخدرات. كما يبرز طعن الرئيس جوزاف عون بالمادة 3 من قانون إصلاح المصارف، وتحذيرات اليونيسف من تدهور أوضاع الأطفال وتضرر 436 مدرسة.
التحليل
يُظهر المشهد أن التصعيد العسكري الإسرائيلي في الجنوب ليس منفصلاً عن المسار الدبلوماسي، بل يبدو أداة ضغط لترجمة المطلب الإسرائيلي-الأميركي المركزي، أي نزع سلاح حزب الله وحصر القرار الأمني بيد الدولة اللبنانية. ففي حين يطرح لبنان الرسمي أولويات تشمل الانسحاب الإسرائيلي والانسحاب من النقاط المتنازع عليها واستكمال حصر السلاح، تشير الأخبار إلى أن واشنطن لا تقدم مقابلاً ملموساً، وأنها تربط أي انسحاب ببدء التسليم أو النزع، مع حديث عن شروط إسرائيلية تتضمن مناطق أمنية وتهديدات باجتياح أوسع. هذا الوضع يضع الحكومة اللبنانية في مأزق: فهي تحاول تأكيد السيادة عبر التفاوض، لكن قدرتها التفاوضية محدودة في ظل استمرار العمليات العسكرية وعدم تجديد اليونيفيل أو تقليص وجودها المحتمل. ويُضاف إلى ذلك أن ملف حصر السلاح لا يقتصر على حزب الله، بل يشمل السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها، ما يوسع نطاق الضغوط الداخلية. ويُلاحظ أن حزب الله يتعرض لضغوط مزدوجة: عسكرية في الجنوب، وسياسية داخلية عبر دعوات نزع سلاحه، مع مؤشرات على توتر علاقته ببعبدا بعد أزمة الدعوات والحوار، وعتب على باسيل، وحديث عن تشنج داخلي. في المقابل، تبدو بعض القوى السياسية، مثل اللقاء الديمقراطي، مؤيدة لخيار التفاوض لكنها تحذر من «أوسلو لبناني» ومن مطالب إسرائيلية مفتوحة. أما رسالة المستشار السوري أحمد موفق زيدان بنفي الاتصالات مع حزب الله وتأييد حصر القرار بيد الدولة، فتعكس تراجعاً إقليمياً في البيئة الحاضنة للمقاومة أو على الأقل إعادة تموضع. وعلى مستوى الأمن الداخلي، تكشف حادثة شحنة الـTNT وملف الموقوف محمد صالح والعمليات الأمنية في بشامون وطرابلس ومخيم نهر البارد أن الساحة اللبنانية قابلة للاختراق والاستغلال، وأن ملفات الاستخبارات والأسلحة غير المنضبطة تتفاعل مع الضغط الإسرائيلي. كما أن استمرار إضراب السجناء وتحذيرات اليونيسف والاعتراض على قرارات تربوية وبيئية يشير إلى هشاشة اجتماعية واقتصادية قد تتفاقم إذا استمر الجمود السياسي. وأخيراً، فإن الطعن بقانون إصلاح المصارف والإنذار الأميركي-الأوروبي بفرض عقوبات على معرقلي الإصلاح يعكسان صراعاً داخلياً حول إدارة الأزمة المالية، ويربطان الاستقرار المالي بالضغوط الخارجية.
التوقعات
على المدى القريب، تبقى السيناريوهات الرئيسية محكومة بمدى التقدم في مسار التفاوض وبمستوى الضغط الميداني. فإذا استمرت الجولة الثامنة في تامبا أو عُقدت في موعدها المرجح، فقد يُبقي الطرفان على مسار تفاوضي محدود من دون انسحاب إسرائيلي فوري، مع استمرار العمليات المحدودة في الجنوب. وإذا لم يحدث تقدم ملموس في ملف حصر السلاح، فمن المرجح استمرار التصعيد الإسرائيلي أو تصاعده، خصوصاً في ظل الحديث عن شروط إسرائيلية جديدة وتهديدات باجتياح أوسع. كما أن مصير اليونيفيل سيبقى عامل ضغط: فعدم التمديد أو تقليص العدد قد يخلق فراغاً أمنياً يدفع الجيش اللبناني إلى تحمل مسؤوليات إضافية، أو يفتح مجالاً لمزيد من التوتر على الحدود. داخلياً، قد يُقارب ملف العفو العام بشكل تدريجي لاحتواء أزمة السجناء، بينما يبقى ملف الإصلاحات المالية عرضة للصراع بين المؤسسات، مع احتمال تصاعد الضغوط الخارجية والعقوبات إذا استمر التعطيل. أما العلاقة بين بعبدا وحزب الله فتبقى معلقة أكثر مما هي مقطوعة، وقد تشهد تحركات إذا وجّهت دعوة جديدة للحوار أو إذا تغيرت شروط الحكومة. وتبقى المخاطر الأمنية الداخلية، من شحنات السلاح إلى خلايا التخابر، قادرة على إحداث مفاجآت.