تقدير موقف إقليمي: التصعيد الأميركي-الإيراني يلقي بثقله على لبنان وغزة وسوريا
الخلاصة
الاستنتاج الإقليمي الأهم هو أن المنطقة تعيش اليوم في ظل مركز ثقل واحد هو المواجهة الأميركية-الإيرانية، الذي يعيد تشكيل كل الجبهات الفرعية: في لبنان بوصفه ملف نزع سلاح وتفاوض، وفي غزة بوصفها مساحة استنزاف واغتيالات تحت غطاء وقف إطلاق نار هش، وفي سوريا بوصفها ساحة توسّع إسرائيلي وتراجع إيراني، وفي العراق بوصفه مساحة نفوذ متنازع عليها. وفي ظل غياب مقابل ملموس للجانب الإيراني أو اللبناني، تبدو المسارات الدبلوماسية معلّقة أكثر مما هي مقطوعة، ما يُبقي احتمال التصعيد مفتوحاً في أي لحظة، ويربط مصير الاستقرار الإقليمي بقرارين متقاطعين: مآل مقترحات التفاوض الإيرانية، ونتائج الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول.
الوضع الراهن
تعيش المنطقة خلال هذه الفترة مرحلة تصعيد حادّ محوره المواجهة الأميركية-الإيرانية، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حصار بحري على إيران وتحدّث عن أن «الحرب مع إيران ستنتهي سريعاً جداً»، مع حشد عسكري شمل إرسال حاملة طائرات إضافية وآلاف العناصر ونشر بطاريتي «باتريوت» في السعودية وقطر، وعقوبات أميركية جديدة على قطاعي السيارات والسكك الحديدية الإيرانيين. وفي المقابل، تتحدث تقارير عن اعتراف إيراني ببلوغ التضخم نحو 90 في المئة و«صفر شحنات نفطية»، فيما يطرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في نيويورك صيغة تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى منشآت تعرّضت للقصف مقابل تخفيف العقوبات، وتدرس طهران مشروع قانون يحظر مرور السفن المرتبطة بإسرائيل والدول المعادية عبر مضيق هرمز. وعلى الجبهة اللبنانية، يستمر القصف والتفجير الإسرائيليان في الجنوب (حولا، المنصوري، الخيام، النبطية الفوقا، وغيرها) مع إحراق منازل وتفجير مدرسة، في وقت يبحث وزير الخارجية يوسف رجي في البيت الأبيض «اتفاق الإطار» والانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح بيد الدولة، وتتحدث مصادر فرنسية عن مطالبة واشنطن بالتفاوض من دون مقابل ملموس وعن ربط التجديد لـ«اليونيفيل» بنتائج المسار. وفي غزة، تتواصل الاغتيالات الإسرائيلية لقادة في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» رغم وقف إطلاق النار، مع عقوبات أميركية على شبكة مالية مرتبطة بـ«حماس»، واعتداءات على قطاف الزيتون في الضفة الغربية. وفي سوريا، تتواصل التوغلات والقصف الإسرائيليان في درعا والقنيطرة، وتواجه البلاد أزمة اقتصادية حادة بعد سقوط الأسد، وسط مساعٍ دبلوماسية في واشنطن وإسرائيل منشغلة أيضاً بانتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول 2026.
التحليل
ترتبط التطورات في الدول المعنية بثلاث حلقات مترابطة. الحلقة الأولى هي السياسة الأميركية القصوى تجاه إيران: فالحصار البحري والعقوبات والحشد العسكري يضغطان على الاقتصاد الإيراني، وينعكسان مباشرة على الأذرع الإقليمية. ففي لبنان، يظهر هذا الضغط في الربط الصريح بين مسار «اتفاق الإطار» وحصر سلاح «حزب الله»، وفي حديث مصادر «حزب الله» عن «تشنج عميق» وضغوط متزايدة في الجنوب، وفي طرح «لجنة التنسيق اللبنانية-الأميركية» دعم تفاوض لبناني-إسرائيلي برعاية أميركية يشمل تسليم سلاح «حزب الله» وجمع السلاح الفلسطيني. أما في العراق، فيُقرأ الانسحاب الأميركي المكتمل في 30 أيلول كمساحة نفوذ جديدة أمام طهران، لكن مصادر متابعة تشير إلى أن إيران تواجه مهمة موازنة صعبة بعد عام من الحرب أضعفت شبكتها. الحلقة الثانية هي الحرية العسكرية الإسرائيلية على جبهات متعددة في آنٍ واحد: جنوب لبنان (قصف وتفجير وتوغل)، وغزة (اغتيالات قيادات و«صفر انتظار» و«حرب الأنفاق»)، وجنوب سوريا (دوريات وقصف في القنيطرة ودرعا). هذه الحرية تُمارَس في نافذة تسبق انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول، وتتزامن مع سرديتين متمايزتين: إسرائيلية ترى النصر في إعادة تشكيل المجال الأمني، وأميركية تحوّل نتائج القوة إلى نظام إقليمي. الحلقة الثالثة هي مسارات دبلوماسية مفتوحة لكن بلا مقابل ملموس: مبادرة عراقجي في نيويورك بشأن المنشآت النووية، ومشروع قانون هرمز، والمذكرة اللبنانية-الأميركية، والتحذيرات الإسرائيلية-البريطانية المتبادلة بشأن مخططات مرتبطة بإيران. وتتقاطع مع هذه الحلقات حوادث أمنية عابرة للحدود تشير جميعها إلى الشبكات الإيرانية والعسكرية: محاولة إسقاط طائرة «فلاي دبي» على يد مساعد طيار عُماني والهبوط الاضطراري في تبوك، والمخطط المزعوم لاستهداف الجالية اليهودية في مانشستر، والتحقيقات بشأن وصول طيارين من إيران وسوريا والعراق إلى مطار بن غوريون، والمواجهة بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وممثل إسرائيل في «مجلس السلام». وفي سوريا، يبدو المشهد الاقتصادي مرتبطاً بتحوّل ما بعد سقوط الأسد: انفتاح السوق يُغلق مصانع محلية، وقرارات مصرفية مثيرة للجدل، وتوترات مذهبية تنعكس في تحذيرات من خطاب التكفير. وبذلك، تتغذى الجبهات جميعها من مركز واحد هو المواجهة الأميركية-الإيرانية، وتتنفس من نافذة واحدة هي إدارة إسرائيل أمنها الإقليمي بانتظار استحقاقها الانتخابي.
التوقعات
يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للفترة المقبلة. السيناريو الأول: استمرار مسار الضغط والاستنزاف من دون حرب شاملة، مع إبقاء باب التفاوض موارباً عبر الصيغ التي طرحها عراقجي، وبقاء الوضع على الجبهات اللبنانية والغزوية والسورية في حدود العمليات المتقطعة. السيناريو الثاني: تصعيد نوعي إذا ثبت تورّط إيراني في حوادث مثل طائرة «فلاي دبي» أو مخططات أخرى، ما قد يدفع واشنطن وإسرائيل إلى خيارات عسكرية، خصوصاً في ضوء ربط ترامب بعض المواقف بالحصار وبمضيق هرمز، وربط مسؤولين سعوديين وقطريين باحتمال رد إيراني على منشآت الطاقة في الخليج. السيناريو الثالث: اختراق دبلوماسي جزئي، إذا تُرجمت مقترحات عراقجي وملف المنشآت النووية إلى تفاهم يخفف العقوبات، وقد ينعكس إيجاباً على مسارات أخرى، ومنها الملف اللبناني المرتبط بتجديد «اليونيفيل» و«اتفاق الإطار». وبالنظر إلى العوامل الزمنية، فإن انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول قد تدفع إلى تكثيف العمليات أو إلى ضبطها بحسب حسابات الحملة الانتخابية، في حين يبقى الوضع الاقتصادي السوري والإيراني واللبناني معرّضاً لمزيد من التدهور في حال استمر التصعيد. كما أن ملف إخلاء سبيل الموقوفين بلبنان، والإضراب المفتوح للسجناء لليوم الـ21، وتحذيرات اليونيسف بشأن الأطفال والتعليم، قد تتحول إلى ضغوط داخلية إضافية على الحكومات.