تقدير موقف إقليمي: إقليم متعدد الجبهات عند الذكرى الثالثة لـ7 أكتوبر
الخلاصة
الاستنتاج الإقليمي الأهم هو أن المنطقة تعيش مرحلة تشابك كامل بين الجبهات، حيث لم تعد أي أزمة محلية معزولة: فالحرب في غزة ولبنان وسوريا واليمن مرتبطة بالملف الإيراني وبالضغوط الأميركية وخيارات المواجهة، في ظل مؤقتات انتخابية إسرائيلية وأميركية وترتيبات دبلوماسية هشة. وتبقى المخاطر الأكبر في احتمال سوء التقدير أو الانزلاق إلى مواجهة شاملة، خصوصًا حول إيران ومضيق هرمز، مع بقاء لبنان نقطة الضغط الأكثر عرضة للانفجار بسبب الغارات والانقسام الداخلي والانهيار الاقتصادي.
الوضع الراهن
تشهد المنطقة خلال الساعات الـ72 الماضية صورة تصعيدية متداخلة تلتقي فيها الذكرى الثالثة لهجوم 7 أكتوبر مع استمرار المواجهات على أكثر من جبهة. في لبنان، تتواصل الغارات والقصف المدفعي الإسرائيلي على بلدات جنوبية مثل كفرتبنيت والمنصوري وسهل الماري، في وقت أعلنت فيه اليونيفيل تعرض موقعها قرب كفرشوبا لإطلاق نار من أسلحة خفيفة دون إصابات، واعتبرته انتهاكًا للقرار 1701. وتتزامن هذه الضغوط الميدانية مع نقاش لبناني حول حال الطوارئ أو إجراءات استثنائية، وضغوط أميركية على الدولة اللبنانية للتحرر من حزب الله، في مقابل تقارير عن تلقّي الحزب 200 مليون دولار من إيران لمساعدة النازحين، واستمرار رفضه تسليم سلاحه. وتبقى المسارات الدبلوماسية مفتوحة نظريًا، مع ترقب مفاوضات لبنانية-إسرائيلية عسكرية في الولايات المتحدة بين 20 و24 تشرين الأول/أكتوبر، ومطالبة نيابية بإعادة النظر في القرار 2790 والتمديد لليونيفيل. وفي فلسطين، لا تزال غزة بعيدة عن الحسم بعد ثلاث سنوات، مع سيطرة إسرائيلية على نحو 64% من مساحتها واستمرار حكم حماس للمناطق خارج السيطرة الإسرائيلية، إلى جانب اغتيالات وغارات متواصلة في خان يونس ومدينة غزة، وتصعيد واسع في الضفة الغربية. وفي إسرائيل، تحوّلت الذكرى الثالثة إلى ساحة مواجهة سياسية حول الإخفاق والمحاسبة، مع حديث عن عقيدة أمنية جديدة ونطاقات أمنية في لبنان وسوريا، واستعداد لسيناريوهات تصعيدية قبل انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر. وتتركز الديناميكية الأوسع في الملف الإيراني: ضغوط أميركية قصوى وحصار بحري وجوي، وخيارات ضربات أميركية قد تُنفذ قبل انتخابات التجديد النصفي، ورفض إيراني للتفاوض وتمسك بحق التخصيب والسيطرة على مضيق هرمز، مع تهديدات متبادلة. وفي سوريا، تتواصل التوغلات الإسرائيلية في الجنوب، وتبرز تحركات درزية في السويداء مثيرة للجدل، فيما تدرس دمشق تقديم مساعدة عسكرية للسعودية في حربها مع الحوثيين، وسط انفجارات تستهدف خطوط الغاز وتهديدات لأمن الطاقة.
التحليل
الربط بين هذه التطورات يكشف عن أربع حلقات متصلة. أولًا، الملف الإيراني هو المحور الجامع: فالحصار والعقوبات الأميركية وخيار الضربات، والتهديد الإيراني بمضيق هرمز ورفض التفاوض، ينعكسان مباشرة على لبنان عبر استمرار دعم طهران لحزب الله، وعلى سوريا والعراق واليمن عبر الميليشيات والجبهات المساندة. ويظهر ذلك أيضًا في منح واشنطن إسرائيل ضوءًا أخضر لعمليات جوية في الأجواء العراقية ضد الميليشيات المدعومة من إيران. ثانيًا، إسرائيل تنفذ عقيدة متعددة الجبهات: استهداف نحو 100 ألف هدف في غزة ولبنان وسوريا وإيران واليمن، وإنشاء نطاقات أمنية بعمق 10 كم في لبنان و15 كم في سوريا، والسيطرة على 64% من غزة، مع مواصلة الاغتيالات مثل محاولة اغتيال علي العمودي في غزة. وثالثًا، لبنان يمثل نقطة الضغط الأكثر تعقيدًا: غارات إسرائيلية وقصف مدفعي، استهداف موقع يونيفيل، ضغوط أميركية لنزع سلاح حزب الله، أزمة اقتصادية حادة، ونقاش حول حال الطوارئ، في مقابل إشارات من حزب الله وحركة أمل إلى تعزيز دور الدولة في الجنوب لكن بشروط. ورابعًا، سوريا تشهد إعادة تشكيل إقليمية: سلطات جديدة تبحث التقارب مع السعودية ومساندة محتملة في اليمن، بينما تتوغل إسرائيل في الجنوب وتستهدف خطوط الطاقة، وتظهر في السويداء احتجاجات ومسيرات ترفع أعلام إسرائيل، ما يعكس هشاشة الداخل السوري وصراع النفوذ. ويضيف الملف الفلسطيني وقودًا دائمًا: غزة بلا أفق سياسي، والضفة في تصعيد، وإسرائيل في مواجهة داخلية حول المسؤولية، ما يحدّ من أي تهدئة إقليمية شاملة. وعلى الجبهة اليمنية، استهداف الحوثيين لمطار الملك خالد ومصفاة أرامكو، وضربات التحالف في الحديدة، يعزز ترابط الأزمات الإقليمية مع الملف الإيراني وممر هرمز.
التوقعات
على المدى القريب، تبدو السيناريوهات الإقليمية محكومة بثلاثة مؤقتات: انتخابات إسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر، وانتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر، والمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المرتقبة في فلوريدا/تامبا. السيناريو الأول هو استمرار التصعيد المحدود لكن المتراكم: غارات إسرائيلية في لبنان وسوريا وغزة، مع استمرار الاغتيالات والعمليات في الضفة، وإبقاء الملف الإيراني تحت ضغط الحصار والخيارات العسكرية. السيناريو الثاني هو انزلاق نحو مواجهة أوسع مع إيران، إما عبر ضربة أميركية محدودة أو إسرائيلية، أو عبر رد إيراني غير محسوب قد يشمل مضيق هرمز والجبهات المساندة، مع ما يعنيه ذلك من تداعيات على لبنان والعراق واليمن وأسواق الطاقة. السيناريو الثالث هو مسار تفاوضي متعثر: مفاوضات لبنانية-إسرائيلية عسكرية دون تفويض سياسي كامل، ورسائل أميركية-إيرانية عبر وسيط قطري، من دون اختراق في ملف التخصيب أو سلاح حزب الله. في لبنان، قد تتجه الأمور إلى إجراءات استثنائية أو ترتيبات أمنية في الجنوب وبيروت، وسط استمرار الانهيار الاقتصادي. وفي سوريا، يُرجّح استمرار التوغلات الإسرائيلية والضربات على البنية التحتية، مع احتمال توسع دور دمشق في اليمن إذا تبلورت صفقة مع الرياض. وفي غزة، لا مؤشرات على حسم قريب أو أفق سياسي، مع استمرار دورة العنف والاغتيالات.