لبنان بين تصعيد ميداني متواصل وتفاوض متعثر: السلاح واليونيفيل وإعادة الإعمار في مفترق حاسم
الخلاصة
أهم ما ينبغي أن يعرفه القارئ هو أن لبنان يقف اليوم على مفترق يربط مصير التسوية السياسية بمآلات ثلاث قضايا متلازمة: مصير "اليونيفيل" بعد نهاية العام وماهية البديل الأمني، وملف سلاح "حزب الله" وتمويله الذي أخذ بعداً ميدانياً بعد ضبط شحنة ضهر البيدر، وربط إعادة الإعمار والدعم المالي بانتشار الجيش وبآليات رقابة دولية. التصعيد الإسرائيلي المستمر في الجنوب ليس منفصلاً عن هذه الملفات، بل هو أداة ضغط فيها، في انتظار حسم إقليمي يتصل بإيران وبالاستحقاقات الانتخابية الأميركية والإسرائيلية. وبالتالي فإن اختبار الأسابيع المقبلة ليس وقف القصف فحسب، بل قدرة الدولة اللبنانية على تحويل "اتفاق الإطار" من عناوين إلى تفاصيل تنفيذية قابلة للصمود.
الوضع الراهن
يشهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً متواصلاً خلال الساعات الـ72 الماضية، تمثّل في عمليات تفجير ونسف وتمشيط بالرشاشات وقصف مدفعي وجوي طال بلدات عدة بينها حداثا وبرعشيت والخيام والنبطية الفوقا وكفرتبنيت وعيتا الجبل وميفدون وزوطر، مع تسجيل توغّل قوة إسرائيلية إلى مسافة 50 متراً من نقطة للجيش اللبناني وإحراق مدرسة المبرّات في الخيام. وبلغت الحصيلة التراكمية منذ 8 تشرين الأول 2023 نحو 8953 شهيداً و30660 جريحاً، وسط تقديرات رسمية لخسائر تتجاوز 20 مليار دولار وتراجع اقتصادي وانكماش قُدّر بنحو 6.4 في المئة. وفي موازاة ذلك، أُعلن عن ضبط شحنة متفجرات على حاجز ضهر البيدر كانت متوجهة إلى الضاحية الجنوبية، مع توقيف شخصين من "حزب الله" اعترفا بتلقي أوامر من قيادي في بعلبك، ما أثار دعوات سياسية لتوقيف قيادات الحزب وفي مقدمهم أمينه العام نعيم قاسم. وعلى المسار الدبلوماسي، زارت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس بيروت لبحث بديل أوروبي لـ"اليونيفيل" قبل انتهاء ولايتها في 31 كانون الأول، مع رفض أميركي معلن لأي بديل من القوة الأممية، وسلّم نواب لبنانيون مذكرة إلى الأمم المتحدة تطالب بإعادة النظر في القرار 2790. كما وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً بإلغاء قيود الطيران مع لبنان، ويتواصل الجدل حول تمويل "حزب الله" وإعادة إعمار الجنوب.
التحليل
تتقاطع في المشهد اللبناني ثلاثة مسارات متداخلة تتفاعل في ما بينها. المسار الأول ميداني يتمثل في تصعيد إسرائيلي منضبط النطاق جغرافياً (بنت جبيل ومرجعيون والنبطية وصور) لكنه متواصل، ويوظّف عمليات النسف والتمشيط والتقدم المحدود كأدوات ضغط تفاوضي وتثبيت لوقائع على الأرض، من دون أن يتحول بعد إلى عملية واسعة. المسار الثاني تفاوضي - دبلوماسي يدور حول ثلاث نقاط: مصير "اليونيفيل" بعد 31 كانون الأول والبحث عن بديل أوروبي ترفضه واشنطن، والاجتماع العسكري المرتقب في فلوريدا/تامبا الذي يُفترض أن يترجم "اتفاق الإطار" إلى خرائط وآليات ومواعيد انسحاب متدرج، وسط مؤشرات على تأجيل محتمل إلى ما بعد انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني. المسار الثالث داخلي يتعلق بملف سلاح "حزب الله" وتمويله، وقد أعطى ضبط شحنة المتفجرات في ضهر البيدر زخماً جديداً للدعوات السيادية إلى نزع السلاح، ولربط الدعم الدولي وإعادة الإعمار بانتشار الجيش وبآليات رقابة أميركية على تمويل مشروع "LEAP" بقيمة مليار دولار. ويُلاحظ أن واشنطن توظّف ملفات التعافي المالي والتحقيقات المصرفية والقرارات الأمنية كأدوات ضغط سياسي مترابطة، في وقت تتقاطع فيه حسابات إقليمية تتصل بإيران ومفاوضاتها، وبملف الودائع ومكافحة الفساد وأزمة السجناء وملف أدوية السرطان. أما زيارات كالاس والمواقف المتباينة بين باسيل الداعي إلى سلام بشروط، وعقيص الداعي إلى توقيف قيادات الحزب، ومواقف بري المحذّر من فراغ بعد "اليونيفيل"، فتكشف استمرار الانقسام الداخلي حول أولويات المرحلة وحدود التسوية الممكنة.
التوقعات
بناءً على المعطيات المتاحة، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة للفترة المقبلة دون ترجيح قاطع. السيناريو الأول: استمرار التصعيد الميداني المحدود مع انتقال مركز الثقل إلى التفاوض، وترجيح تأجيل الاجتماع العسكري إلى ما بعد انتخابات الكنيست والانتخابات النصفية الأميركية، ما يعني إطالة أمد الجمود وإبقاء الضغط العسكري قائماً. السيناريو الثاني: تصعيد عسكري إسرائيلي أوسع إذا ما ترسّخت القناعة الأميركية - الإسرائيلية بأن المفاوضات لن تحقق هدف نزع سلاح "حزب الله"، وهو احتمال طرحته تقارير أخيرة وحذّرت منه أوساط لبنانية ودبلوماسية، ويبقى مرهوناً بتطورات الملف الإيراني. السيناريو الثالث: تسريع التسوية عبر مسار مزدوج يقوم على تسليح نوعي للجيش اللبناني وانسحابات إسرائيلية مشروطة وتثبيت آلية إعمار خاضعة لرقابة دولية، وهو ما يتطلب تجاوز عقبات التفاصيل العسكرية وضمانات ما بعد "اليونيفيل". وفي كل السيناريوهات، تبقى الأسابيع المقبلة اختباراً حاسماً لمسار "اتفاق الإطار" ولقدرة الدولة اللبنانية على تجميع ملفاتها الأمنية والمالية والإعمارية في موقف تفاوضي متماسك.