تقدير موقف: فلسطين بين استمرار العمليات العسكرية ومسار نزع السلاح وإعادة الإعمار
الخلاصة
أهم ما يجب معرفته أن غزة تعيش ازدواجية واضحة: عمليات عسكرية إسرائيلية مستمرة تسقط قتلى وتستهدف ما تسميه قدرات حماس، ومسار دولي ناشئ لنزع السلاح وإعادة الإعمار تقوده واشنطن ويواجه فجوة مع التوجهات الأمنية الإسرائيلية. المشكلة الجوهرية ليست في وجود خطة فقط، بل في غياب تنسيق فعلي بين المنطق العسكري الإسرائيلي ومنطق اليوم التالي الأمريكي، وفي استمرار الجمود الفلسطيني الداخلي مع تأجيل الانتخابات. لذلك، أي تقدم في نزع السلاح أو إعادة الإعمار يبقى هشًا ومرهونًا بسلوك الأطراف الميداني وبمدى قابلية الترتيبات السياسية للتنفيذ.
الوضع الراهن
خلال آخر 72 ساعة، استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، حيث قُتل عدد من الفلسطينيين في غارات جوية على خان يونس وحي التفاح شرق مدينة غزة ومواصي خان يونس، بينهم مؤمن الأي وهشام أبو جلالة. وأعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك شن غارات على ما وصفها ببنى تحتية عسكرية لحماس، شملت غرفة مراقبة وموقع إطلاق صواريخ ومستودعات أسلحة. بالتوازي، أوردت تقارير عبرية أن الأمريكيين وممثلي مجلس السلام يستعدون لجولة ميدانية في غزة لتحديد مواقع تسليم أسلحة حماس وفق خطة الرئيس ترامب المؤلفة من 20 بندًا، في حين أعربت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن استغرابها من السلوك الأمريكي بشأن إعادة الإعمار في اليوم التالي ورغبتها في تسريع العمليات. وقالت واشنطن إن إعادة إعمار غزة ستستغرق سنوات وإن هناك تقدمًا حقيقيًا نحو نزع السلاح. سياسيًا، التقى خليل الحية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وذكرت تقارير أن حماس تساعد قطر وتركيا في التوسط بين السعودية والحوثيين. كما استمرت المساعدات القطرية إلى غزة، وأثير موضوع تأجيل الانتخابات الفلسطينية، وظهرت تفاعلات دولية من بينها احتجاجات في باريس وتصريحات لترامب في تجمع انتخابي بأوهايو، إلى جانب كشف وثائق إسرائيلية عن تخطيط السنوار لهجوم 7 أكتوبر وإعلان كتائب القسام عن هوية محمد أبو جاسر ومقتله.
التحليل
تعكس الأخبار مسارين متوازيين ومتصادمين جزئيًا: مسار عسكري إسرائيلي يواصل الضغط واستهداف ما يصفه بقدرات حماس، ومسار سياسي دولي بقيادة واشنطن يحاول تحويل الوضع الميداني إلى ترتيب لنزع السلاح وإعادة الإعمار. الجولة الميدانية المحتملة لتحديد مواقع تسليم الأسلحة تشير إلى أن خطة ترامب بدأت تأخذ بعدًا تنفيذيًا، لكن الفجوة المعلنة بين السلوك الأمريكي وتوجهات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعني أن إسرائيل قد تفضل استمرار العمليات العسكرية بدل تثبيت وقف دائم. في المقابل، تتحرك حماس دبلوماسيًا عبر تركيا وقطر، وتظهر في وساطات إقليمية، بينما تحافظ على خطاب مقاومة وذاكرة عسكرية عبر كشف هوية منفذي عمليات سابقة وعرض رموز داخل الأنفاق. تأجيل الانتخابات الفلسطينية يشير إلى استمرار الجمود الداخلي وعدم قدرة فتح أو السلطة على تجديد الشرعية، وهو ما قد يعقّد أي ترتيب سياسي لليوم التالي. إقليميًا، تتقاطع الأدوار القطرية والتركية مع ملفات اليمن والسعودية، ما يمنح حماس هامشًا دبلوماسيًا لكنه لا يغيّر الوقائع العسكرية في غزة. أما الوثائق الإسرائيلية عن تخطيط السنوار لهجوم 7 أكتوبر، فتعزز السردية الإسرائيلية وقد تؤثر في سياق التفاوض والرواية الدولية، لكنها لا تبدو عاملًا مباشرًا في تغيير مسار الأحداث خلال الفترة القصيرة.
التوقعات
على المدى القصير، يبقى السيناريو الأرجح استمرار الغارات الإسرائيلية المحدودة مع إعلانات متكررة عن استهداف بنى تحتية، خصوصًا إذا لم يتقدم مسار نزع السلاح. قد تمضي الجولة الميدانية الأمريكية لتحديد مواقع التسليم، وإذا تحققت فقد تفتح اختبارًا عمليًا لمدى استعداد حماس لتسليم أسلحتها، لكن رغبة إسرائيل في تسريع العمليات قد تعرقل هذا المسار. إعادة الإعمار مرشحة للبقاء بعيدة المدى ما لم تترافق مع ترتيبات أمنية وسياسية، مع استمرار الحاجة الإنسانية والمساعدات القطرية. من المرجح أن تواصل حماس تحركاتها الدبلوماسية عبر تركيا وقطر والوساطات الإقليمية، وأن تستمر في إنتاج مواد إعلامية تذكيرية. في المقابل، لا تبدو الانتخابات الفلسطينية قريبة في ضوء التأجيل والانقسام الداخلي. وإذا تعطلت التفاهمات أو استمرت الضربات، يبقى خطر التصعيد مجددًا قائمًا؛ أما إذا تقدمت الترتيبات، فقد يظهر تهدئة جزئية وخطوات إغاثية أو إعادة إعمار محدودة.