تقدير موقف: سوريا بين خروقات إسرائيلية في الجنوب ومساعٍ لإعادة بناء الجيش وترتيبات أمنية
الخلاصة
الخلاصة أن جنوب سوريا يمثل نقطة الاشتعال الرئيسية في المرحلة الراهنة، حيث تفرض إسرائيل أمراً واقعاً أمنياً عبر توغلات واحتجازات متكررة، بينما تسعى دمشق إلى تثبيت سلطتها وإعادة بناء جيشها بموارد محدودة وبدعم دبلوماسي أمريكي. المفتاح لأي استقرار هو ترتيبات أمنية بوساطة أمريكية توازن بين المطالب الإسرائيلية والسيادة السورية والنفوذ التركي، مع بقاء أي تطبيع اقتصادي مجرد احتمال مؤجل ومحدود.
الوضع الراهن
خلال الساعات الـ72 الماضية، تركّزت التطورات في سوريا على الجبهة الجنوبية، حيث جدّدت القوات الإسرائيلية توغلها في ريفي القنيطرة ودرعا، ودخلت دورية من أكثر من 6 عربات محملة بالجنود إلى منطقة جنوب بلدة الرفيد، وتوغلت قوة من 4 سيارات عسكرية في وادي الرقاد بريف درعا الغربي وأطلقت النار باتجاه الأراضي الزراعية. كما اختطفت القوات الإسرائيلية شاباً في ريف القنيطرة، واحتجزت ثلاثة رعاة من مزرعة في الريف ذاته، وسط إشارة نائب المبعوث الأممي إلى سوريا كلاوديو كوردوني إلى استمرار القصف والتوغل والاحتجاز الإسرائيلي في جنوبي سوريا. وفي الوقت نفسه، تتناول تقارير مساعي الرئيس السوري أحمد الشرع لإعادة بناء الجيش السوري، مع تخصيص نحو 4.3 مليارات دولار للدفاع والأمن في موازنة 2026، أي 41% من إجمالي الموازنة البالغة 10.5 مليارات دولار، وهو ما يثير مخاوف إسرائيلية من تهديد عسكري جديد مع تنامي النفوذ التركي في التدريب والتجهيز. كما يطرح تحليل تحوّل جنوب سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى نقطة توتر حساسة، ويسعى فيه الجانب الأمريكي إلى ترتيبات أمنية قائمة على «توازن الاستقرار»، في ظل تنافس إسرائيلي تركي على النفوذ. ويبرز ملف تحويل مطار المزة العسكري إلى مدني، وسط أنباء عن مشاركة شركة SyriaJet التابعة لمجموعة Jetex الإماراتية النشطة في إسرائيل، وربطه بمسار مفاوضات سورية-إسرائيلية بوساطة أمريكية، مع بقاء القوانين السورية الحاظرة للتعامل مع إسرائيل.
التحليل
تعكس الأخبار ديناميكية مزدوجة في سوريا: تصعيد ميداني إسرائيلي في الجنوب، ومساعٍ سورية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية والانخراط في ترتيبات أمنية وسياسية بقيادة أمريكية. فالتوغلات والاحتجازات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا ليست أحداثاً معزولة، بل تأتي في سياق استمرار خرق اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، وتشير إلى محاولة إسرائيل فرض واقع أمني في الجنوب وربما تعزيز مواقعها قرب الجولان ومطالبها بمناطق واسعة. في المقابل، لا تملك دمشق حالياً قدرة ردع تقليدية، فتلجأ إلى المطالبة بتحرك دولي وضمان انسحاب كامل، مع الاعتماد على الدعم الأمريكي في ترتيبات تحد من التصعيد. أما إعادة بناء الجيش، فتندرج في أولويات تثبيت سيطرة الدولة وضمان ولاء الضباط، لكنها تواجه قيوداً مالية وسياسية، وتغذي مخاوف إسرائيلية قد تترجم إلى ضربات استباقية، كما حدث في قاعدة أبو الظهور الجوية شمالي سوريا. ويضيف النفوذ التركي في التدريب والتجهيز عامل تعقيد، في ظل تنافس إسرائيلي تركي على النفوذ السوري. أما ملف مطار المزة والاستثمار المحتمل، فيبدو اختباراً أولياً لاحتمال تطبيع اقتصادي غير معلن، لكنه يبقى محدوداً وهشاً قانونياً وسياسياً.
التوقعات
بناءً على المعطيات المتاحة، يُرجّح استمرار الخروقات والتوغلات الإسرائيلية المحدودة في جنوبي سوريا، مع احتمال تكرار عمليات الاحتجاز والاستهداف الجوي إذا اعتُبرت مساعي إعادة بناء الجيش أو النفوذ التركي تهديداً متنامياً. أما سيناريو التهدئة، فيتوقف على نجاح الوساطة الأمريكية في بلورة ترتيبات أمنية تقبل بها إسرائيل ودمشق، وهو أمر يواجه عقبات بسبب المطالب الإسرائيلية بمناطق واسعة والتنافس مع تركيا. وعلى الصعيد الاقتصادي، لا يتوقع انتقال سريع إلى تطبيع رسمي، لكن قد تتقدم خطوات محدودة مثل تحويل مطار المزة إلى مدني أو استثمارات غير مباشرة إذا نضجت المفاوضات. وفي حال فشل الترتيبات، يبقى جنوب سوريا عرضة لدورات تصعيد متكررة دون حرب شاملة، في ظل غياب قدرة سورية على المواجهة ووجود ضغوط دولية لاحتواء التصعيد.