تقدير موقف: خطة ضم في الضفة واغتيالات متواصلة في غزة تختبر وقف إطلاق النار
الخلاصة
أهم ما ينبغي أن يعرفه القارئ أن وقف إطلاق النار في غزة قائم اسمياً لكنه يتآكل تدريجياً عبر اغتيالات متكررة تُبرَّر بأنها رد على انتهاكات، بينما تُطرح في إسرائيل في سياق انتخابي تصورات لضم معظم الضفة وإلغاء أوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية. الخطر المركزي في المرحلة المقبلة ليس انهياراً مفاجئاً للهدنة، بل تراكم وقائع أحادية الجانب في الضفة وغزة معاً — ضم واستيطان واعتداءات في الضفة، واستهدافات وصراع على المعابر والمساعدات في غزة — ما يُضعف أي أفق سياسي ويُبقي المنطقة في حالة تصعيد منخفض الشدة وقابل للانفجار.
الوضع الراهن
تُظهر الأخبار خلال الساعات الـ72 الماضية حركة متزامنة على مسارين. على المسار السياسي، يُطرح في إسرائيل، في ظل الاستعداد للانتخابات المقبلة، تصور يدعو إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وإلغاء اتفاقات أوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية وضم نحو 80% من المناطق المفتوحة والمستوطنات، مع إدارة مدنية محلية للمدن العربية وبقاء المسؤولية الأمنية بيد إسرائيل، في مقابل تحذير من خطر التفكك الداخلي ودعوة إلى السلام والتنمية. وعلى المسار الميداني في قطاع غزة، أعلن الجيش الإسرائيلي والشاباك سلسلة عمليات استهداف جوية طالت قيادات في الجناح العسكري لحماس، بينهم مؤمن أحمد سلامة الأي في مدينة غزة ومحمد خلة في شمال القطاع، إضافة إلى اغتيال شخصين في خانيونس وُصلا بتهريب أسلحة، وتدمير مسار تحت الأرض بطول نحو 1.5 كيلومتر في جنوب القطاع. وتزامن ذلك مع قصف مبنى قرب مسجد المتقين غرب حي اليرموك، وغارة بطائرة بدون طيار قرب مدرسة في منطقة الصفطاوي أسفرت عن قتيل وجرحى، وإصابة فلسطيني بنيران الجيش في جباليا. في المقابل، أحيت حماس الذكرى السنوية الثانية لمقتل يحيى السنوار، ونشر الجيش الإسرائيلي وثائق قال إنها بخط يده تكشف تفاصيل التخطيط لهجوم 7 تشرين الأول 2023، كما كشف جناحها العسكري عن مسؤولية أحد قيادييها عن قتل جندي إسرائيلي واحتجاز أسرى. وفي الضفة الغربية، تستمر اعتداءات المستوطنين المتنوعة بين استهداف قطاف الزيتون وإحراق السيارات، فيما وقع حادث دهس استهدف مواطناً إسرائيلياً في منطقة عطيرت. وعلى المستوى الدبلوماسي، دعت حماس المبعوث ملادينوف إلى التوقف عن الانحياز لإسرائيل والتحرك للضغط عليها لرفع الحصار عن غزة. وأخيراً، وافق الشاباك على تشغيل 3000 عامل من غزة في بناء ما يسمى «رفح الجديدة»، لكن حماس تمنع دخولهم.
التحليل
يتقاطع في هذه الأخبار ثلاثة محركات رئيسية. الأول هو العامل الانتخابي الإسرائيلي: طرح رؤية تقوم على ضم نحو 80% من الضفة وإلغاء أوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية يُظهر أن الخطاب السياسي في هذه المرحلة يتجه نحو تثبيت وقائع أحادية الجانب، لا نحو تسوية، وأن المقابل داخل الساحة الإسرائيلية يركّز على المخاطر الداخلية أكثر من مآلات الصراع الخارجي. هذا التصور يتلاقى مع تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة، إذ يعمل الخطاب الرسمي والممارسة الميدانية على تعزيز المناخ ذاته وتضييق المجال أمام أي مسار سياسي قائم على السلطة والحل التفاوضي. الثاني هو بنية وقف إطلاق النار في غزة: البيانات الإسرائيلية تصف عملياتها بأنها استهداف لمن «ينتهكون وقف إطلاق النار» ويسعون لاستعادة القدرات، ما يعني أن الاتفاق يُدار من طرف واحد عبر سلسلة ضربات محدودة ومتكررة، وهو ما يضع حماس أمام معضلة مزدوجة: الحفاظ على قدراتها التنظيمية من جهة، وتجنّب ردّ واسع قد يعرّض ما تبقى من الهدنة والوضع الإنساني للانهيار من جهة أخرى. ويأتي كشف الجناح العسكري عن مسؤولية أحد قيادييه عن قتل جندي إسرائيلي واحتجاز أسرى، وإحياء ذكرى السنوار، ونشر الوثائق المنسوبة إليه، في إطار معركة روايات متبادلة تهدف إلى تثبيت الشرعية الداخلية وتحديد المسؤوليات عن 7 تشرين الأول، أكثر من كونها معطيات عملياتية آنية. الثالث هو الصراع على مساحة السيطرة الميدانية والإنسانية في غزة، ويتجلى بوضوح في ملف «رفح الجديدة»: موافقة الشاباك على تشغيل 3000 عامل ومنع حماس لهم يكشف مواجهة مباشرة حول من يتحكم بالمعابر واليد العاملة وإعادة تشكيل الجغرافيا المدنية، ويجعل المسألة الإنسانية أداة في هذا التنافس. أما تحذير حماس لملادينوف فيعكس قناعتها بأن الضغط الدولي غير كافٍ أو غير متوازن، في وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها دون رادع ظاهر. وفي الضفة، يشكل حادث الدهس في عطيرت واستمرار اعتداءات المستوطنين مؤشراً إلى أن التوتر في الضفة يتغذى على الفراغ السياسي والخطاب الرسمي التوسعي، مع مخاطر تصعيد متبادل.
التوقعات
استناداً إلى المعطيات المتاحة، يُرجَّح استمرار النمط الحالي في غزة: ضربات جوية محدودة تستهدف قيادات وكفاءات تُصنَّف بأنها انتهاك للهدنة، مقابل ضبط من جانب حماس لا يستبعد ردوداً ميدانية ضيقة أو تصعيداً عبر قنوات أخرى، دون مؤشرات على العودة إلى مواجهة شاملة في المدى القريب. ويعزز مسار «رفح الجديدة» احتمال استمرار التجاذب حول المعابر والعمال والمساعدات، مع تداعيات مباشرة على الوضع الإنساني. وفي الضفة، يُتوقع أن يستمر التلازم بين الخطاب السياسي الداعي إلى الضم وتصاعد اعتداءات المستوطنين ووقوع عمليات فردية، ما قد يرفع من وتيرة الاحتكاك سواء في المستوطنات أو على الطرق الرئيسية. وعلى الصعيد السياسي الإسرائيلي، يبقى مصير مقترحات الضم وإلغاء أوسلو مرهوناً بنتائج الانتخابات وبالتوازنات الداخلية، لكنها في حد ذاتها تُضعف موقع السلطة الفلسطينية وتزيد من حالة عدم اليقين لديها. أما دبلوماسياً، فيُرجَّح أن تتواصل المطالب الفلسطينية بالضغط على إسرائيل دون تغيير ملموس في موازين القوى ما لم يتغير الموقف الدولي.